إن المعاينة المنصفة لحالة السلم والأمن الدوليين في منطقتنا الإسلامية تكشف عن انفصام حاد بين المبادئ والمواثيق المعمول بها نظرياً، وبين التطبيق الانتقائي المصلحي الذي أفرغ القواعد القانونية من جوهرها العدلي، لتحل محلها معايير مزدوجة يصوغها قاموس النفاق السياسي، حاشدةً شواهد التجني التي حذر منها الحق سبحانه في محكم كتابة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

لقد أضحى ما يُسمى "القانون الدولي" في ممارسات القوى المهيمنة وحلفائها أداة مطاطية تُفصّل أحكامها وفق المصلحة والنفوذ، لا وفق الحق والعدالة، ليتشكل بذلك واقع يتناقض كلياً مع كل الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية.

تتجلى هذه المنظومة المزدوجة في أوضح صورها من خلال شرعنة الحصار الشامل والعقوبات الجماعية المطبقة على شعوب بأكملها، كما هو الحال في قطاع غزة واليمن، فضلاً عن العقوبات الممتدة على إيران، حيث تُغلف هذه الإجراءات القاسية بأغلفة دبوماسية وتُسوق للرأي العام العالمي على أنها خطوات "مشروعة وشرعية".

وفي المقابل، يُغض الطرف تماماً عن التبعات الإنسانية الكارثية لهذه السياسات التي تطال المدنيين في حياتهم اليومية وغذائهم ودوائهم، مما يظهر بوضوح كيف تحولت القرارات الدولية والأدوات السياسية إلى مشانق تُرفع باسم الشرعية الحصرية لمن يملك زمام النفوذ والقوة.

ولا تقف مفارقات هذا القاموس المتناقض عند حدود التضييق الاقتصادي والمفهوم الفضفاض للعقوبات، وتتجاوز ذلك لتصل إلى شرعنة الانتهاكات الصريحة للبنى التحتية والأعيان المدنية؛ إذ أُحيط قصف مطار صنعاء الدولي وتقييد حركة الطيران المدني ومنع المرضى والمسافرين من أبناء الشعب اليمني من السفر بذرائع واهية، وجرى الحديث عنه في المحافل الدولية باعتباره "حقاً سيادياً" أو إجراءً أمنياً مقترناً بمسوغات شتى.

إن اختزال أوجاع آلاف الجرحى والمرضى وتجريد شعب كامل من أبسط حقوقه الإنسانية في الحركة والعلاج تحت لافتات السيادة والأمن، يمثل الشاهد الحي على سقوط المنظومة الأخلاقية الدولية عندما تصبح المعاناة الإنسانية مجرد رقم في معادلات السياسة.

وفي الوقت الذي تُمنح فيه قوى العدوان والصمت الدولي غطاءً تبريرياً لتصرفاتها، تجد الشعوب المظلومة نفسها أمام توصيفات جاهزة ومُعدّة سلفاً بمجرد أن تحاول الدفاع عن وجودها؛ فحينما يمارس اليمن حقه الطبيعي والإنساني في كسر الحصار الممتد منذ أكثر من اثني عشر عاماً، ولرفع الظلم الحاف بمواطنيه، تُقارع هذه المحاولات بسيل من البيانات الاستنكارية والتهم المعلبة، فتصبح في نظر ذلك القاموس جريمة حرب، وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتهديداً خطيراً لسلامة الملاحة الدولية.

إنها التسميات ذاتها التي تُسقط العلة وتحاكم المظلوم على رد فعله، بينما تغفل السبب الأساسي المتمثل في العدوان والاستكبار والحصار المستمر، متجاهلين قوله تعالى:﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.

يمتد هذا التزييف المفهومي ليشمل أعز ما تملكه الأمم من كرامة وحق في أرضها، حيث يقلب المنطق الاستكباري المفاهيم الهادفة لشرعنة الجريمة؛ فيُعاد تعريف الاعتداء وقتل أبناء الشعب اليمني والفلسطيني واللبناني على أنه نضالٌ أو حماية للمصالح، في صورة تعكس أبشع صور الانحطاط الفكري والأخلاقي، بينما يُوصم الدفاع المشروع عن النفس، ومقاومة الاحتلال الغاشم، ومساندة المظلومين بأنها أعمال إرهابية وتصرفات صادرة عن ميليشيات خارجة عن القانون، تناسياً للرخصة الإلهية الأزلية والمبدأ الخالد: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.

إن هذا العبث بالمصطلحات والتلاعب بالحقائق لا يهدف إلا إلى تجريد الشعوب الأبية من حقها الوجودي والأخلاقي في التحرر، وحظر دفاعها عن كرامتها وأرضها وأبنائها، ومحاولة إجبارها على القبول بسياسة الأمر الواقع.

إن هذا التباين الفاضح بين ما يُعلن وما يُطبق يضع العالم اليوم أمام حقيقة واحدة: إن النظام الدولي القائم بصيغته الحالية لم يعد كفيلاً بتحقيق العدالة أو حماية الضعفاء، هو مظلة تحمي المعتدي وتلاحق الضحية.

وأمام هذا الواقع المتهاوي لقاموس المنافقين، يظل الرهان الحقيقي والوحيد قائماً على إرادة الشعوب الحرة، وعلى تمسكها بحقها الأصيل في المقاومة والكرامة والدفاع عن النفس، مصداقاً لقوله عز وجل:﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ إذ إن الشعوب التي تخوض معركة وجودها لا تستمد مشروعيتها من هيئات متواطئة، وإنما من عدالة قضيتها ومن إيمانها الثابت بأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن العاقبة الدائمة هي ما أخبر به القرآن الكريم: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.