لا معنى لدى واشنطن للقوانين الدولية وسيادة الدول، ولا أثر لما يقال عنها الأمم المتحدة ولا لمجلس أمنها، حينما يتعلق الأمر بمصالح واشنطن غير المشروعة، وإن كان التعدي الأمريكي بمستوى اعتقال رؤساء دول والزج بهم في زنازين الاعتقال. هكذا بدا المشهد في العاصمة الفنزويلية كاركاس فجر الـ3 من يناير الجاري حينما أقدمت الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، في سابقة خطيرة تنسف كل القوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتؤسس لعصر جديد يسوده قانون الغاب والقوة المفرطة، ليصبح اللعب على المكشوف بعيدا عن عناوين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، التي طالما روج لها الأمريكان وسحقوا بها شعوبا وأسقطوا بها حكومات عدة. 
التدخلات الأمريكية السافرة عبر التاريخ في أمريكا اللاتينية لا تأتي في إطار ردود الأفعال الظرفية، وإنما ضمن النهج الثابت في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، المرتكز على منطق الهيمنة وادعاء حماية المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، ولو على حساب إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، فمنذ مطلع القرن العشرين، تعاملت واشنطن مع دول القارة بوصفها مجالًا حيويًا لنفوذها، مستندة إلى ذرائع متعددة كـ"مكافحة الشيوعية" و"حماية الأمن القومي"، بينما كانت الأدوات المستخدمة تتراوح بين الاعتقال التعسفي والانقلابات العسكرية، والحروب المباشرة وبالوكالة، والضغوط الاقتصادية، والعمليات الاستخباراتية السرية. ويهدف هذا التقرير إلى تفكيك أبرز نماذج إسقاط الأنظمة في أمريكا اللاتينية، سواء عبر التدخلات العسكرية المباشرة أو الأساليب غير المباشرة، وقراءة تداعياتها السياسية والإنسانية بعيدة المدى على استقرار المنطقة ومسارها الديمقراطي.

غواتيمالا 1954: إسقاط حكومة إصلاحية بالقوة

بعد فوزه في انتخابات ديمقراطية عام 1950، شرع الرئيس الغواتيمالي جاكوبو أربينز في تنفيذ حزمة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، أبرزها إصلاح الأراضي، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديدًا مباشرًا لمصالح الشركات الأمريكية. وفي أغسطس 1953، أوكل مجلس تنسيق العمليات الأمريكي إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) مهمة الإطاحة بحكومة أربينز، مبررًا ذلك بادعاءات تتعلق بتهديد "التضامن في نصف الكرة الغربي" و"الأمن القومي الأمريكي في منطقة الكاريبي". 
ونفذت الولايات المتحدة حملة شاملة شملت عمليات شبه عسكرية، والتدريب وتسليح جماعات متمردة، وممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية، إضافة إلى شن حرب نفسية واسعة، ودفع قيادات عسكرية وسياسية للانشقاق.
وبعد إسقاط أربينز عام 1954، تولى الحكم نظام عسكري ديكتاتوري بقيادة كارلوس كاستيلو أرماس، لتنزلق البلاد لاحقًا في حرب أهلية استمرت 36 عامًا، أودت بحياة أو اختفاء نحو 200 ألف شخص، وسط انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان.

نيكاراغوا (1981–1990): حرب بالوكالة لإسقاط حكومة منتخبة

في أبريل 1981، أوقف الرئيس الأمريكي رونالد ريغان المساعدات الاقتصادية لنيكاراغوا، متهمًا حكومة الساندينيين بدعم "المتمردين" في السلفادور، ومعتبرًا إياها تهديدًا مباشرًا لأمن أمريكا الوسطى والمصالح الأمريكية.
وبحسب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية، قدمت إدارة ريغان دعمًا واسعًا لقوات "الكونترا"، وهي جماعات مسلحة تمركزت في هندوراس وشنّت هجمات متواصلة على الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا، وشمل هذا الدعم التدريب والتسليح والتمويل، إذ وافق الكونغرس عام 1983 على تخصيص 100 مليون دولار للكونترا، استُخدمت في أعمال تخريب واسعة، من بينها تلغيم الموانئ وتدمير منشآت نفطية.
ورغم انكشاف تلك الممارسات واصل الكونغرس إقرار مساعدات إضافية، بلغت 27 مليون دولار عام 1985، و100 مليون دولار عام 1986 خُصص 70% منها لدعم عسكري، واستمر الصراع قرابة عقد كامل، مخلفًا عشرات الآلاف من الضحايا وانهيارًا اقتصاديًا حادًا، وفي عام 1990، أُجريت انتخابات تحت إشراف دولي أسفرت عن فوز فيوليتا تشامورو، منهية حكم الساندينيين.

بنما 1989: الغزو العسكري المباشر

"القضية العادلة" اسم لعملية عسكرية عدوانية أمريكية أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش عام 1989م، شارك فيها أكثر من 26 ألف جندي أمريكي، وهدفت العملية إلى الإطاحة برئيس البلاد مانويل نورييغا، والذي كان حليفًا لواشنطن لسنوات، قبل أن تتدهور العلاقات بسبب مزاعم الفساد وتهريب المخدرات، إلى جانب الخلافات المتعلقة بأمن قناة بنما التي طالما تحاول واشنطن السيطرة عليها.
خلال العملية العدوانية تمكنت القوات الأمريكية الغازية من اعتقال الرئيس البنمي نورييغا ونقله إلى الولايات المتحدة، و حُكم عليه بالسجن 40 عامًا، فيما تولت الحكم في بنما حكومة موالية لواشنطن ضمنت حماية المصالح الأمريكية والسيطرة الفعلية على القناة.
من حيث اسم العملية والذرائع التي جعلت منها أمريكا سببا لغزو بنما تتضح الوقاحة الأمريكية وجرأتها في فبركة الحقائق واختلاق الأعذار لانتهاك سيادة البلدان وتدمير الحياة فيها والفتك بشعبها.

هايتي 2004: انقلاب بتنسيق دولي

التواطؤ من قبل الأمم المتحدة مع أمريكا لا يقتصر على الحاضر وإنما ظل ثابتا طوال التاريخ،  في فبراير 2004، دعمت الولايات المتحدة -بالتعاون مع فرنسا وكندا- انقلابًا أطاح بالرئيس الهايتي المنتخب ديمقراطيًا جان برتران أريستيد، وأُجبر على مغادرة البلاد مع عائلته، دون أن يلقى صوتا مناصراً أو موقفا واضحا من مجلس الأمن. ووفق تقارير لموقع "غلوبال بوليسي"، بدأت إدارة جورج بوش الابن منذ عام 2001 العمل على إضعاف حكم أريستيد عبر تجميد المساعدات الإنسانية والمالية، والمساهمة في زعزعة الاقتصاد الهايتي، كما كشفت تقارير لاحقة عن دعم برامج تمويل أمريكية لجهات معارضة، من بينها المعهد الجمهوري الدولي، الذي ساعد في تنظيم احتجاجات ضد الرئيس، وأكد أريستيد لاحقًا أنه أُقصي بانقلاب مدبر، مشيرًا إلى أن السفير الأمريكي في هايتي خدعه بحجة حمايته من انقلاب وشيك، قبل أن يُنقل قسرًا على متن طائرة أمريكية إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.

التدخلات الأمريكية غير المباشرة

إلى جانب التدخلات العسكرية المباشرة، انتهجت الولايات المتحدة سياسات غير معلنة أو غير مباشرة، أسهمت بفاعلية في إسقاط حكومات عديدة في أمريكا اللاتينية.

اغتيال رئيس الدومينيكان 1961

تولى رافائيل ليونيداس تروخيلو حكم الدومينيكان عام 1930، واشتهر بديكتاتوريته وقمعه الشديد، لكنه حظي بدعم أمريكي طويل بسبب عدائه للشيوعية، ومع تصاعد الاضطرابات الداخلية رأت واشنطن أن بقاءه بات عبئًا سياسيًا، ومصدرا يهدد مصالحها، وفي عام 1960 وافق الرئيس الأمريكي أيزنهاور على تقديم دعم سري للمعارضة، وفي عام 1961 أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أسلحة وذخائر لعناصر مناوئة لتروخيلو، وساهمت في اغتياله، ورغم نفي الوكالة رسميًا، أكدت تقارير متعددة تورطها في العملية، وأعقب الاغتيال اضطراب سياسي طويل وتعاقب حكومات مؤقتة، وهو الهدف الذي طالما تسعى واشنطن إلى تعميمه على كل المناوئين لها.

البرازيل 1964: انقلاب مدعوم لوجستيًا

تحالفت الولايات المتحدة مع قائد أركان الجيش البرازيلي أومبرتو كاستيلو برانكو لتنفيذ انقلاب أطاح بالرئيس جواو غولارت. وقدمت واشنطن دعمًا ماليًا للمظاهرات المعارضة، إضافة إلى الوقود والأسلحة للجيش.
وبحسب مكتبة الكونغرس، أطلقت واشنطن عملية "الأخ سام" لتأمين الدعم اللوجستي الكامل، بهدف إقامة نظام موالٍ ومنع تمدد النفوذ اليساري، وأسفر الانقلاب عن حكم عسكري استمر أكثر من عشرين عامًا، شهد قمعًا واسعًا وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

الأرجنتين 1976: دعم انقلاب دموي

دعمت الولايات المتحدة انقلابًا عسكريًا قاده الجنرال خورخي فيديلا أطاح بالرئيسة المنتخبة إيزابيل بيرون، وكشفت وثائق أُفرج عنها عام 2021 وجود تنسيق واتصالات بين الانقلابيين ومسؤولين أمريكيين، مع علم واشنطن المسبق بطبيعة الحكم العسكري المرتقب.
وخلال حكم فيديلا (1976–1983)، شهدت الأرجنتين واحدة من أكثر الفترات دموية، حيث قُتل أو اختفى ما بين 15 و30 ألف شخص، وتعرض الآلاف للاعتقال والتعذيب والتغييب القسري.

تشيلي 1973: إسقاط أليندي

وظفت الولايات المتحدة أموالًا سرية للتأثير على الانتخابات التشيلية عام 1970 لمنع فوز سلفادور أليندي، لكنها فشلت، وبعد توليه الحكم وتنفيذه سياسات اشتراكية وتأميم شركات كبرى رأت واشنطن في حكومته تهديدًا مباشرًا لمصالحها، ودعمت سرًا انقلابًا قاده الجنرال أوغستو بينوشيه عام 1973، وهو ما أكدته تحقيقات مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1975. 
وبعد مقتل أليندي، أسس بينوشيه نظامًا قمعيًا ألغى الدستور وحل البرلمان وحظر الأحزاب، وتسبب في أكثر من 40 ألف ضحية بين قتيل ومعتقل ومختفٍ قسريًا.

ختاما

تكشف الوقائع التاريخية لتدخلات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية عن نمط متكرر من تقويض الديمقراطية وإعادة إنتاج أنظمة تابعة، غالبًا ما حكمت بالقوة والقمع، وخلّفت إرثًا ثقيلًا من الحروب الأهلية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وعدم الاستقرار المزمن، فقد أفضت سياسات إسقاط الحكومات المنتخبة إلى إفراغ مفاهيم السيادة والاستقلال من مضمونها العملي، وربط مصير الدول بخيارات خارجية لا تعبّر عن تطلعات شعوبها، ورغم اختلاف السياقات والزمن، فإن القاسم المشترك بين هذه التدخلات ظلّ واحدًا "تغليب المصالح الأمريكية على حقوق الشعوب الأخرى". ومن ثم، فإن استحضار هذه التجارب لا يندرج في إطار التوثيق التاريخي فحسب، بل يكتسب أهمية سياسية ومعرفية، بوصفه تحذيرًا دائمًا من كلفة التدخل الخارجي حين يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الدول بالقوة، بدل احترام إرادة شعوبها ومساراتها الوطنية.
اعتمدت الولايات المتحدة -على امتداد القرن العشرين- سياسة نشطة لإسقاط حكومات منتخبة ديمقراطيًا في أمريكا اللاتينية، مستخدمة قوتها العسكرية وأذرعها الاستخباراتية، وبالاستعانة بشبكات محلية ومنظمات وأفراد مرتبطين بها. وقد استهدفت هذه التدخلات أنظمة جاءت في معظمها عبر صناديق الاقتراع، لكنها تبنّت سياسات رأت فيها واشنطن تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية أو لنفوذها الجيوسياسي.