موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي
هي حرب بلا سقف أو أهداف واضحة أمريكية، بعد أن تجلى للجميع أن النووي ليس ما يقلق أعداء إيران، بل نظامها ونموذجها الإسلامي الفريد والواعد. هو ذا وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين يقدّمان في مؤتمر صحفياً كشفاً لحدّ اللاوعي، حيث تراكمت الأسئلة دون أجوبة، ما يفضح هشاشة المشروع العدواني رغم حشدته العسكرية الضخمة، فبعد أن غرقت الولايات المتحدة في "كل المستنقعات شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً"، عادت لتخوض مغامرة جديدة، لكنْ، هذه المرة بإقرار صريح بأن الهدف ليس "بناء الأمم" أو "تصديق الديمقراطية"، بل "القتال من أجل الانتصار" بحسب تعبير هيغسيث نفسه.
أظهرت الردود الإيرانية القوية في اليومين الماضيين تنامي القدرات الإيرانية لتتحول إلى عناصر ضغط استراتيجية حاسمة عسكرياً وفاعلة سياسياً، في سياق المواجهة القائمة حالياً. في مقدمة القدرات الإيرانية هذه الترسانة الصاروخية الأكبر والأكثر تنوعاً في الشرق الأوسط، وإحدى أكثر المنظومات الصاروخية تقدماً، وأكثرها تطوّراً في العالم في العقدين الأخيرين، وفقاً لما ذكره الجنرال كينيث ماكنزي قائد القيادة المركزية الأمريكية سابقاً، ففي تقديراته تمتلك إيران "أكثر من 3000 صاروخ باليستي"، وهذا لا يشمل قوة الصواريخ الجوالة الهجومية البرية "المجنّحة"، وهي ترسانة منحت جمهورية إيران الإسلامية قدرات فريدة في مطاولة مروحة أهداف متنوعة في المنطقة إلى حدود غير مسبوقة جعلت من مصالح العدو الأمريكي وحلفائه وشركائه في العدوان على إيران تحت رحمة هذه الترسانة المتنوعة والمتطوّرة، فضلاً عن ضمان إيران ورقة استراتيجية في وجه كيان العدو الإسرائيلي الذي خاض في الفترات الأخيرة في مقابل ذلك حرب تطوير وتحديث متسارعة لتحديث قدراته الدفاعية بوتيرة وُصفت بأنها الأعقد في العالم، مع مفارقة أن الكيان لجأ الى معظم الدول الغربية في التعاون لتطوير ترسانة قدراته الدفاعية متـعدّدة الطبقات والفئات، وليس آخرها منظومة آرو-4 التي تمثل حالياً رأس الحربة في المواجهة مع الصورايخ الإيرانية واليمنية في جولة الصراع السابقة.
لمحة عن التطور النوعي في القدرات الصاروخية الإيرانية
- المدى: صواريخ بمدى يصل إلى 2000-2500 كم، قادرة على الوصول إلى كيان العدو الاسرئيلي والقواعد الأمريكية في الخليج.
- الدقة: تحسّن كبير في الدقة والإصابة، مع صواريخ مثل "فاتح-313" و"ذوالفقار" و"دزفول"، تصل دقتها إلى 10-30 متراً.
- الدفع الصلب: الانتقال من الصواريخ ذات الوقود السائل إلى الصلب، ما يقلل وقت الإعداد، ويزيد من الحركة والبقاء، ويدخل إيران في نادي الدول الممتلكة تقنيات الصواريخ الفرط صوتية.
- المدن الصاروخية: تقدِّر التقارير الاستخباراتية الغربية امتلاك الجمهورية الإسلامية في إيـران ما لا يقل عن خمس "مدن صاروخية" تحت الأرض في محافظات مختلفة. "تقديرات سابقة"
كما أوضحت التطورات، فإن إيران "تقاتل من أجل الانتصار"، لكنها أيضاً تضرب لترسم حدوداً، فالضربات التي طاولت قاعدة العديّد في قطر، وعلي السالم في الكويت، والظفرة في الإمارات، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، تجاوزت مسألة الردود العبثية أو الفعل الرمزي العشوائي، لإيصال رسالة تكتيكية بأن "الحماية الأمريكية" لم تعد قادرة على حماية نفسها، فضلاً عن حماية من تسميهم واشنطن شركاءها في المنطقة، وهي نتيجة تجلت في الساعات الأولى من الرد الإيراني القوي، ودفعت بالأوساط الخليجية لتوجيه سيل انتقادات إلى الإدارة الأمريكية المنشغلة –حد وصفهم- بالدفاع عن كيان العدو الإسرائيلي على حساب التخلّي عنهم وتركهم لمصيرهم، وفي هذا السياق تقارير غربية متعددة تتحدث عن توجّه عواصم خليجية إلى دول أوروبية لطلب المساعدة في توفير وتعزيز الدفاعات الجوية، مايشير فعلاً إلى عزوف الأمريكي عن وعوده السابقة لممالك ودول الخليج، رغم أن الأخـيرة -في الأول والأخير- تدفع ثمن سماحها للعدو الأمريكي باستخدام أراضيها في شنّ عمليات ضد إيران، وقد كان الموقف الرسمي الإيراني واضحاً في مطالبة الخليج بإغلاق القواعد الأمريكية إنْ أرادوا تجنّب هذه الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
صحيح أن إيران لاتزال –وفق التقديرات الاستخباراتية الغربية– تمتلك مخزوناً يؤهلها لخوض اشتباك طويل الأمد، وهذا يظهر حتى في تصريحات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم، وهو مخزون ينطوي على كثير من المفاجآت النوعية، إلا أن أحد أهم أوراق الجمهورية الإسلامية هو مضيق هرمز، وتستطيع طهران استخدامه بسهولة كورقة ضغط اقتصادية وحيوية بامتياز، فتوْقِف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان بقطر، وإغلاق مصفاة رأس تنورة السعودية، في اليوم الثاني من المواجهة، وعلوق نحو 150 سفينة في المضيق بعد إلغاء شركات التأمين تغطية مخاطر الحرب.
في هذا الإطار -ووفقاً لتحليلات شركات التأمين البحرية- فإن "المناطق التي قد يُصنَّف فيها جزء من الخليج العربي على أنه مناطق مخاطر تأمينية أعلى" تشهد ارتفاعاً حاداً في أقساط المخاطر الحربية، مع إشارة إلى أن بعض المؤمِّنين أبدوا نيتهم إلغاء البوليصات الحالية لإعادة إصدارها بأسعار أعلى بكثير.
ومن بعض أرقام الارتدادات الاقتصادية العالمية حتى اليوم التالي:
- ارتفاع أسعار النفط أكثر من 8% عالمياً.
- قفز الذهب إلى 5384 دولاراً للأوقية.
- إلغاء 450 رحلة جوية في ألمانيا، وعلق 30 ألف سائح.
- انعقاد جلسة طارئة للاتحاد الأوروبي لتأمين إمدادات الغاز.
كما يتبدّى حتى الآن من شكل المواجهة ومؤشراتها فإن إيران تدير عملية الدفاع عن نفسها برويّة، وتجيدُ توزيع نقاط قوتها وفق رؤية استراتيجية بالاعتماد على النَّفَسِ ذاتِه الذي عُرفت واشتهرت به طهران في إدارة مفاوضاتها السياسية، ما يمنحها اليد العليا في هكذا نوع من الحروب طويلة الأمد، في الوقت الذي قد لا يحتمل العدو فيه المغامرة في حرب غير مسقوفة بهدف ولا معلقة بغاية أو حتى مرهونة بمتغير داخل إيران أو خارجها. وكان لافتاً للغاية هنا أن شهادة الإمام الخامنئي بعملية غدر صهيونية أمريكية أثمرت نتائج إيجابية بالنسبة لوضع إيران وقدرتها المستقبلية على المواجهة، مقارنة بالحال لو كان المرشد قد توفّي.
تعيش دول الخليج في "مربع الصدمة" بين مخاوف الانزلاق للحرب وضغوط واشنطن، فالقواعد العسكرية الأمريكية التي دفعت الحكومات الخليجية "ترليونات الدولارات" ثمناً لوهم الحماية من خلالها، وجدت نفسها خلال ساعات "تبحث عن حامٍ".
في هذا الجانب كشفت دول أوروبية -بينها بريطانيا وإيطاليا- عن "مطالبات سعودية وإماراتية بالمساعدة وتعزيز دفاعاتها الجوية"، فيما استخدمت السعودية والإمارات وقطر "الخط الساخن" مع بكين وموسكو.
ترك المؤتمر الصحفي الأمريكي ثغرات كبرى حول عدوانها على إيران، فقد تحايل هيغسيث -في مؤتمره الصحفي- على الإجابة عما إذا دخل جنود أمريكيون إيران، مكتفياً بالقول "لا وجود لجنود أمريكيين على الأرض في إيران، لكننا لن نخوض في تفاصيل ما سنفعله أو لن نفعله"، وهو ما يعبر عن ضبابية رؤية وعدم امتلاك واشنطن خطة واضحة في حربها العدوانية على إيران، وربما يعكس صدمتها من الموقف الإيراني الصلب، وبالتالي خيبتها من عدم قدرتها على تحقيق هدفها في تغيير النظام وإدخال إيران في الفوضى كما كانت ترجو وتعمل لأجله منذ فترة.
هيغسيث كذلك رفض تحديد مدة العدوان، رغم إشارته إلى كلام ترامب عن "4-5 أسابيع"، معتبراً أن "الرئيس لديه كامل الصلاحية للحديث عن المدة... قد يتقدم الجدول أو يتأخر" وفق ما قاله الوزير الأمريكي.
كما تجنب الإجابة على أسئلة تتعلق بالقدرات الإيرانية، مكتفياً بالتأكيد على أن المهمة هي "تدمير صواريخها وبحريتها وقدراتها بعيدة المدى".
هذا التكتيم يكشف عن حرب كبرى كما أقرّ دان كين: "هذه ليست عملية تُنفَّذ بين ليلة وضحاها. نتوقع تكبّد خسائر إضافية".
إن ما يجري يمثل تحولاً كبيراً في معادلة القوة الإقليمية، حيث تثبت إيران أن القدرة على الردع لا تقتصر على امتلاك السلاح، بل على القدرة على تحويل الجغرافيا والاقتصاد وأوراق الضغط المتعددة إلى أدوات استراتيجية، فالحرب العدوانية على إيران، بدلاً من أن تكون نزهة عسكرية "بلا قواعد اشتباك غبية" كما يتوهم هيغسيث، تكشف عن أن الزمن قد تغيّر، وأن أوراق القدرة الإيرانية المتنامية ليست مجرد تهديدات، بقدر ماهي أدوات ضغط فاعلة تفرض إعادة حسابات جميع حلفاء واشنطن في العالم والمنطقة وفي مقدمتها دول الخليج الموهومة بمظلة الحماية الامريكية، وقد تجلى لها بعد ساعات من اندلاع الحرب أنها "مظلة مليئة بالثقوب".