موقع أنصارالله- محمد ناصر حتروش
تشهد المنطقة تصعيدًا غير مسبوق عقب استشهاد قائد الثورة الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي رضوان الله عليه في حدث يُعدّ نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصراع مع قوى الاستكبار العالمي المتمثل بأمريكا و"إسرائيل".
وتبلغ المعركة الجارية رحاها بين الجمهورية الإسلامية في إيران وأمريكا وربيبتها "إسرائيل" الذروة، إذ تتجاوز حدود الردود التقليدية، في ظل رهان أمريكي على إرباك الداخل الإيراني وقلب النظام من خلال ضربة نوعية تستهدف رأس هرم القيادة، غير أن الرد الإيراني السريع والمكثف والمتواصل بعث رسائل تحدٍّ واضحة ومتعددة، مفادها الدفاع عن السيادة بلا هداوة، مستمدة القوة من الله تعالى والالتفاف الشعبي المليوني الذي ملأ الساحات والشوارع تأييدا للدولة والحرس الثوري في المعركة المقدسة ضد الأمريكان والصهاينة.
ويُجمِع نشطاء إعلاميون عرب على أن الاقتدار الإيراني في استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة يعد تحولًا نوعيًا في طبيعة الاشتباك، وانتقالًا من سياسة الضغوط المتدرجة إلى مواجهة مباشرة مفتوحة الاحتمالات. ويصفون الرد الإيراني بأنه إعادة صياغة لقواعد الاشتباك، وتأكيد على استمرارية القرار الاستراتيجي للدولة رغم العدوان.
وفي ظل ترقب إقليمي ودولي، تبدو المرحلة الراهنة محكومة بمعادلة ردع، قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة.
يمنياً يرى الإعلامي اليمني حمود شرف أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يأتي ضمن محاولة لإزاحتها من المشهد الإقليمي، وإفساح المجال أمام الكيان لتوسيع نفوذه ضمن ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى".
وفي حديثه لموقع أنصارالله يؤكد شرف أن طهران كانت تتوقع هذا السيناريو وتستعد له على مختلف المستويات، معتبرًا أن الرد الإيراني يعكس جهوزية استراتيجية عالية. ويشير إلى أن استهداف القيادة -بما في ذلك استشهاد السيد علي الخامنئي- لا يؤدي إلى انهيار منظومة القرار، بل يدفع نحو تماسك أكبر داخل مؤسسات الدولة، واصفاً المعركة بأنها فاصلة، معتبرًا أن نتائجها ستحدد موقع محور المقاومة في المرحلة المقبلة.
ويضيف شرف أن الرد الإيراني يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليحمل رسائل سياسية تتعلق باستمرارية الدولة وصلابة بنيتها، مؤكدًا أن طهران تسعى من خلال تصعيدها إلى تثبيت معادلة ردع جديدة تفرض على خصومها إعادة حساباتهم.

بدوره يؤكد الناشط الإعلامي العراقي منتظر الكناني أن الهجوم يمثل محاولة أمريكية لتغطية إخفاقات متراكمة في الإقليم، عبر استهداف مركز ثقل في محور المقاومة.
ويوضح -في حديث خاص لموقع أنصار الله- أن الرهان على إرباك الداخل الإيراني أو إضعاف قدرته على الرد لم يتحقق، بدليل سرعة وحجم الضربات المضادة، مؤكدا أن بنية النظام السياسي في طهران مصممة بحيث تضمن استمرارية القرار، حتى في ظل غياب شخصيات قيادية بارزة، ما يعزز قدرة الدولة على مواصلة المواجهة دون فراغ استراتيجي.
ويعتبر الكناني أن ما يجري يتجاوز ردًا عسكريًا تقليديًا، ليشكل محطة مفصلية قد تعيد رسم توازنات القوى في المنطقة، في ظل احتمالات اتساع رقعة الاشتباك ودخول أطراف إقليمية أخرى على خط المواجهة.
.jpg)
وفيما يعتقد الأمريكان أن العدوان على طهران سيسهم في إخضاعها وإجبارها على الاستسلام في وقت قصير، تؤكد القيادة الإيرانية استعدادها لخوض معركة النفس الطويل دفاعا عن السيادة والاستقلال.
وحول هذه الجزئية يشدد الناشط الإعلامي المصري إيهاب شوقي على أن التصعيد لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تخطيط مسبق، معتبرًا أن المسارات التفاوضية شكلت غطاءً لتحضيرات عسكرية متدرجة.
ويوضح -في حديث خاص لموقع أنصارالله- أن الرد الإيراني السريع يثبت جهوزية المؤسسات العسكرية واستمرارية القرار الاستراتيجي رغم استهداف قيادات عليا، لافتا إلى أن المواجهة تحمل أبعادًا تتجاوز الصراع الثنائي، لتلامس شكل النظام الدولي في ظل تحولات كبرى وصعود قوى منافسة للولايات المتحدة.
ويشير إلى أن اتساع نطاق الاشتباك يبقى احتمالًا قائمًا في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وإصرار الأمريكان على جر المنطقة نحو الحرب خدمة للكيان المؤقت. ويؤكد شوقي أن سرعة الرد الإيراني تعكس إدراكًا لطبيعة المعركة بوصفها وجودية، ما يفسر الحرص على تثبيت صورة الدولة القادرة على المبادرة وعدم الاكتفاء بردود دفاعية محدودة.

أما الناشط الإعلامي التونسي نذير محمد فيرى أن التطورات الراهنة تمثل انتقالًا من سياسة الضغوط غير المباشرة إلى مواجهة عسكرية أكثر وضوحًا، مؤكدا أن محاولات التأثير عبر العقوبات أو استثمار الاحتجاجات الداخلية لم تحقق أهدافها، ما دفع واشنطن و"تل أبيب" -وفق تحليله- إلى تبني خيار التصعيد المباشر.
وفي حديثه لموقع أنصارالله يرى محمد أن استهداف البنية العسكرية والقيادات العليا يهدف إلى إضعاف منظومة القيادة والسيطرة، إلا أن الرد الإيراني يعكس احتفاظ طهران بقدرتها على المبادرة. ويرجح أن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بحسابات دقيقة لميزان الردع، مع احتمالات انزلاق نحو حرب استنزاف طويلة.
وفي ظل استمرار التصعيد العسكري المتبادل بين إيران وأمريكا تعيش المنطقة مرحلة شديدة الحساسية، تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التوازنات الإقليمية، فالرهان على إحداث صدمة استراتيجية داخل إيران عبر استهداف رأس هرم القيادة لم يحقق هدفه المباشر، في ظل استمرار مؤسسات الدولة في إدارة الرد وتوسيع نطاقه.
وفي المقابل، يفتح الرد الإيراني -غير المسبوق- الباب أمام معادلة جديدة تُعيد تعريف حدود الاشتباك بين الطرفين، ويقود استمرار المعركة إلى إعادة تشكيل الإقليم وموقعه في النظام الدولي المتغير، فبين احتمالات التهدئة المدروسة والانزلاق إلى مواجهة أوسع تبقى حسابات الردع هي العامل الحاسم في تحديد المسار.