موقع أنصار الله . تقرير| أنس القاضي 

لم تعهد الولايات المتحدة الأمريكية شخصية مُعبرة عن جوهرها الاستعماري كما هو عليه ترامب، بخطاب ينتمي للعصر العبودي، بعيدٍ كل البُعد عن اللغة الدبلوماسية التي يستخدمها الرؤساء عادة، والتي تؤنسن بها الولايات المتحدة وجهها الوحشي وتهذب تدخلاتها العدوانية.

تقدّم تجربة دونالد ترامب نموذجاً مكثفاً لتحول نوعي في الخطاب السياسي الأمريكي، حيث خرجت اللغة الرسمية من مساحة التبرير الأخلاقي للتدخلات، إلى الإعلان المباشر عن الأطماع الرأسمالية التي تقف خلف السياسة الخارجية للبلد!

في العقود الماضية جرى تقديم التدخلات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان وسواهما تحت عناوين "نشر الديمقراطية" و"حماية الأمن الدولي"، بينما تكفّل الواقع الميداني بإظهار تناقض هذه الشعارات مع النتائج الفعلية.

وكانت تغطى التدخلات في الشؤون الداخلية بـ: "رعاية الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، والدفاع عن الأقليات، ودفع الإصلاحات الاقتصادية قدماً إلى الأمام نحو السلام والرفاه".

أما في مرحلة ترامب، لم يعد هذا الغطاء ضرورياً بنفس الدرجة، إذ انتقل الخطاب إلى مستوى أكثر فجاجة، عبّر فيه الرئيس نفسه عن سياسات خارجية عدوانية ترتبط بنهب موارد الشعوب، وعلاقات مع الحلفاء ترتكز على العائد الاقتصادي، وسياسة عسكرية مع تلويح باستخدام القوة أو استخدامها فعلاً، لامتصاص الثروات من العالم إلى المركز الأمريكي، وحماية الاقتصاد الأمريكي من المنافسة في السوق العالمية.

اللهث وراء النفط

أعاد ترامب تعريف العلاقة بين الحرب وريع النفط بطريقة مباشرة، إذ كرر -في أكثر من مناسبة- أن الولايات المتحدة "كان يجب أن تأخذ نفط العراق"، رابطاً ذلك بحجم الإنفاق العسكري والخسائر البشرية التي تكبدتها خلال الغزو الذي بدأ عام 2003م. هذه العبارة -التي بدت صادمة في ظاهرها- لا تنفصل عن سياق طويل من السيطرة الفعلية على قطاع الطاقة العراقي بعد الاحتلال، حيث لعبت الشركات الغربية دوراً مركزياً في إعادة تنظيم الإنتاج والتصدير. والفرق أن الخطاب الأمريكي السابق كان يقدّم هذه السيطرة على النفط العراقي بوصفها جزءاً من ضمان "إعادة بناء الدولة" لكون العراقيين "لا يمتلكون الرشد الكافي للتصرف بثرواتهم"، بينما قدّم خطاب ترامب هذه السيطرة بوصفها تعويضاً مشروعاً عن خسائر الحرب العدوانية التي أدت لتدمير العراق!

في الحالة السورية، تكرّر المنطق نفسه بصورة أكثر وضوحاً، أعلن ترامب عام 2019م -بحضور الصحفيين- أن القوات الأمريكية موجودة في شرق سوريا "من أجل النفط، وأي صحفي لا يدرك هذه الحقيقة فهو غبي وأحمق"، في إشارة إلى حقول دير الزور والحسكة، التي تمثل أحد أهم مصادر الطاقة في البلاد.

لم يربط هذا التصريحُ التواجدَ الأمريكي في سوريا بأي حديث عن "تسوية سياسية أو حماية المدنيين" كما كانت تقدم الذرائع في عهد أوباما أو بايدن، بل ركّز على مسألة نهب الموارد ومنع أطراف أخرى من الوصول إليها، بما في ذلك منع الشعوب ذاتها من التمتع بخيراتها، بما في ذلك الحكومة السورية ذاتها، وعندما طُرحت فكرة إشراك شركات أمريكية كبرى مثل "إكسون موبيل" في الاستثمار، بدا الأمر أقرب إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى عقد اقتصادي طويل الأمد، والآن وفي ظل حكومة الجماعات التكفيرية في دمشق سوف يتسنى للشركات الأمريكية أن تنهب هذه الثروات بدون مانع.

أما في فنزويلا، فقد عبّر ترامب عن تصور يقوم على إمكانية إعادة تنظيم قطاع النفط تحت إشراف أمريكي مباشر في حال تغيير السلطة، وهو ما ارتبط بمحاولات دعم المعارضة وإضعاف الحكومة عبر العقوبات التي استهدفت شركة النفط الوطنية، وصولاً إلى العدوان الأمريكي المباشر بعملية اعتقال الرئيس المنتخب نيوكلاس مادورو في 3 يناير 2026م، واحتواء الحكومة الجديدة في البلد.

وفي هذه الحالات الثلاث، يظهر النفط بوصفه محوراً للسياسة الأمريكية التي تسعى بكل وضوح إلى نهبه، في أي دولة كان، ما دامت الولايات المتحدة قادرة على العدوان واستخدام القوة ضد هذه الدولة.

أمريكا ونهب ثروات الشعوب

شهدت مرحلة ترامب توسعاً متطرفاً في استخدام الأدوات الاقتصادية، ليس فقط للضغط السياسي، بل لنهب الموارد واسقاط الدول. العقوبات التي فُرضت على إيران منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018م، وعلى فنزويلا في الفترة نفسها، لم تقتصر على تقييد التعاملات المالية، بل استهدفت بشكل مباشر عائدات النفط، عبر منع التصدير، وملاحقة الناقلات، وفرض قيود على النظام المصرفي الدولي.

في حالات متعددة، جرى احتجاز شحنات نفط في عرض البحر، أو مصادرتها، أو إعادة توجيه عائداتها إلى أطراف معارضة، كما حدث مع الأصول الفنزويلية المجمدة في الخارج. هذا النمط من الإجراءات حوّل الاقتصاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة، حيث لم تعد المسألة تتعلق بتغيير سلوك دولة ما، بل بالتحكم المباشر في مواردها ومنعها من الوصول إلى الأسواق.

يتصل هذا التحول بتداخل متزايد بين المؤسسات المالية العالمية والسياسة الأمريكية، حيث أصبح النظام المالي الدولي، القائم على هيمنة الدولار، أداة فعالة في فرض هذا النوع من السيطرة. وبهذا المعنى، لم تعد القوة العسكرية وحدها الوسيلة الأساسية، بل تكاملت مع أدوات مالية وتجارية قادرة على تحقيق نتائج مشابهة بكلفة أقل.

التصريح بجرائم الحرب!

في سياق العدوان على إيران صدرت عن ترامب تصريحات تضمنت تهديدات بتدمير مواقع ثقافية وتاريخية، و"إنهاء الحضارة الإيرانية"، إلى جانب التهديد بتدمير البنية التحتية للطاقة. هذا التوسع في لغة التهديد يعكس تحولاً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على توازنات عسكرية بين دول، بل امتد ليشمل البنى الاجتماعية والثقافية، في تناقض مع القانون الدولي الإنساني وكل النظم والأعراف المتعارف عليها من بعد الحرب العالمية الثانية، فاذا كانت الولايات المتحدة سابقاً تنتهك هذه القواعد وتُنكر فعل ذلك، فمع ترامب لم تعد الولايات المتحدة تُنكر جرائم الحرب، بل تهدد بها علناً!

الجغرافيا السياسية

امتد الخطاب الصريح ليشمل قضايا سيادية واضحة، مثل اقتراح غزو غرينلاند، وهي جزيرة تتمتع بأهمية استراتيجية بسبب موقعها وثرواتها الطبيعية، إضافة إلى الحديث عن استعادة السيطرة الأمريكية على قناة بنما، التي انتقلت إدارتها إلى بنما عام 1999م بموجب اتفاقيات سابقة، وتعيين نفسه حاكماً على غزة ضمن ما أسماه بـ"مجلس السلام.

هذه التصريحات تعيد إلى الاعتبار فكرة "المجال الحيوي" في الجيوليتيك، التي طورتها المدرسة النازية، حيث تُنظر الجغرافيا بوصفها مجالاً مفتوحاً تحكمها موازين القوى والقدرة على الاحتلال والضم والإلحاق ما دام ذلك ممكناً ويؤدي وظيفة جيوسياسية، أي بعيداً عن فَهمِ المجال الحيوي بطريقة قائمة على التعاون والشراكة الدولية.

الوظيفة الداخلية للخطاب

إلى جانب التهديد الفعلي للدول الأخرى والذي نفذ كما في العدوان على فينزويلا وإيران، فإن هناك بعداً آخر للخطاب، وهو السياق الداخلي، حيث تصاعدت خلال السنوات الأخيرة حالة الاستقطاب السياسي، وتراجعت الثقة الشعبية في المؤسسات الرسمية، وبرزت قضايا اقتصادية واجتماعية ضاغطة مثل البطالة وتراجع الصناعة في بعض الولايات. وفي هذا السياق، اكتسب خطاب ترامب الذي يربط السياسة الخارجية بالمكاسب الاقتصادية المباشرة –مثل الوظائف وأسعار الطاقة– قدرةً أكبر على التأثير.

قدّم ترامب نفسه كـ"زعيم" قادر على "استعادة" ما يعتبره "حقوقاً ضائعة"، سواء عبر إعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، أو عبر نهب الموارد في الخارج، في ظل شعار "أمريكا أولاً" الذي يحرر الولايات المتحدة من كل القوانين والاعتبارات وحتى التحالفات، فـ"أمريكا أولاً"، وللوصول إلى هذا الوضع الذي يجعلها في الصدارة فإن كل وسيلة مشروعة!

 هذا الربط بين الخارج والداخل جعل السياسة الدولية جزءاً من الخطاب الانتخابي والدعاية اليومية ما بعد الانتخابات كجزء من حملة شعبوية مستمرة لإثارة الجمهور الأمريكي.

في الوقت نفسه، ساهم هذا الأسلوب في نقل الأزمات الداخلية إلى الخارج، عبر تصوير العالم للشعب الأمريكي كمجال مفتوح لتعويض الخسائر الاقتصادية الأمريكية، وهو ما يضع الشعوب الأخرى في موقع المتلقي المباشر لهذه السياسات، وتعد دول الخليج نموذجاً صريحاً لهذا التعامل، حيث يرى ترامب أن للولايات المتحدة حق التصرف في ثرواتها، مقابل "الحماية الأمنية"، وإلا فإن المَلك "لن يستطيع حماية مؤخرته" كما صرح ترامب يوماً ساخراً من الملك سلمان، في سياق الحرب العدوانية على اليمن.

الأزمة الاقتصادية والوقاحة الترامبية

يأتي تصاعد الخطاب الصريح في سياق تحولات أعمق داخل الاقتصاد والسياسة الأمريكيَّين، حيث تراجعت قدرة الولايات المتحدة على الهيمنة على النظام الدولي بنفس السلاسة التي طبعت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وأدت الأزمة المالية العالمية عام 2008م، ثم تداعيات جائحة كورونا عام 2020م، إلى إضعاف بنية النمو، ورفع مستويات الدَّين، وتوسيع الفجوات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة، وهو ما انعكس على قدرتها على تمويل النفوذ الخارجي بالشكل نفسه.

في هذا السياق، لم يعد بالإمكان الاعتماد على الأدوات التقليدية، مثل التحالفات المستقرة أو المؤسسات الدولية، لإدارة التوازنات العالمية، فبرزت الحاجة إلى خطاب أكثر مباشرة يعكس حجم الضغوط. وتصريحات ترامب حول النفط، والعقوبات، واستخدام القوة وسياسة العدوان، لا تنفصل عن هذا السياق، بل تمثل أحد تعبيراته، حيث تُستخدم اللغة الصريحة لتعويض تراجع القدرة على فرض السياسات بهدوء.

الطاقة والتجارة

تحوّلت قضايا الطاقة والتجارة من ملفات تقنية إلى عناصر مركزية في الصراع الدولي، فخلال إدارة ترامب الأولى، والثانية بشكل أكبر، برزت سياسات مثل الحرب التجارية مع الصين، التي بدأت فعلاً عام 2018م بفرض رسوم جمركية متبادلة، واستهدفت قطاعات صناعية وتقنية حساسة، في محاولة لإعادة التوازن التجاري لصالح الولايات المتحدة، لتشمل الحربُ التجارية والرسوم الجمركية العالمَ متجاوزة الصين.

في ملف الطاقة، اتخذت العقوبات على إيران وفنزويلا طابعاً مباشراً يستهدف الإنتاج والتصدير، ما أدى إلى تقلبات في الأسواق العالمية، ورفع من حساسية الممرات البحرية، وصولاً إلى الحصار القائم على مضيق هرمز، حيث تستخدم هذه الآليات الاقتصادية مباشرة كأسلحة حرب يتضرر منها العالم، فيما يَظهر ترامب سعيداً بأن دولته لديها ما يكفيها من النفط ولن تتضرر مما يفعله في مضيق هرمز! ضارباً عرض الحائط بالتحالفات والصداقات والعلاقات التي تجمع الولايات المتحدة بالدول المتضررة من سياسة واشنطن!

الحلفاء ضمن منطق الصفقة

لا يقتصر خطاب وسلوك ترامب على الخصوم وعلى الدول التي يراها قطعاً جغرافية مليئة بالثروات دون شعب، فقد أعاد خطاب ترامب تشكيل طبيعة العلاقة مع الحلفاء التقليديين، خاصة في أوروبا واليابان، حيث جرى الضغط لزيادة الإنفاق الدفاعي داخل حلف الناتو، وفرض رسوم على واردات الصلب والألمنيوم من دول حليفة، في خطوة كسرت قواعد سابقة قامت على تنسيق اقتصادي داخل المعسكر الغربي.

في المنطقة العربية وغرب آسيا ظهر هذا المنطق في التعامل مع دول الخليج، حيث رُبطت الحماية الأمنية بصفقات تسليح ضخمة، قُدّرت بمئات المليارات من الدولارات، كما في زيارة ترامب إلى السعودية عام 2017م. هذا الأسلوب حوّل التحالف من علاقة استراتيجية طويلة الأمد إلى علاقة تقوم على تبادل مباشر للمنافع، حيث تُقاس الشراكة بحجم ما تقدمه كل دولة من عوائد.

هذا التحول دفع العديد من الدول إلى البحث عن تنويع علاقاتها الدولية، عبر تعزيز التعاون مع قوى مثل الصين وروسيا وباكستان والهند، أو فتح قنوات اتصال مع خصوم سابقين، كما ظهر في المصالحة السعودية الايرانية برعاية الصين.

استمرارية المنطق وتغيّر الأسلوب

التغير الأساسي في السلوك والخطاب الأمريكي في ظل إدارة ترامب الأولى والثانية، يطال أسلوب التعبير أكثر مما يطال جوهر النظام الإمبريالي، فاستخدام القوة الاقتصادية والعسكرية لتحقيق النفوذ ظل سمة ثابتة في السياسة الأمريكية منذ عقود، بل منذ تأسست على أنقاض حضارات وشعوب أصلية، لكن ما تغيّر هو درجة الصراحة في الإعلان عن هذه السياسات  الاستعمارية، والظهور بمنطق الدولة المارقة التي لطالما ظل تشومسكي يصف الولايات المتحدة الأمريكية بها.

ولَّى الخطاب الأمريكي الذي كان يعتمد سابقاً على مفردات مثل "النظام الدولي القائم على القواعد"، و"التدخل الإنساني"، ولى هذا الخطاب لصالح خطاب مفرط في الواقعية السياسية، يربط بشكل مباشر بين العدوان والثروة، فمع ترامب لم تعد الحاجة قائمة بنفس الدرجة إلى تغليف السياسات التدخلية ضد شعوب العالم بلغة أخلاقية.

بهذا المعنى، لا يظهر نظام جديد في الولايات المتحدة، بل تتكشف ملامح نظام قائم، كان يخفي النهب وجرائم الحرب عبر لغة دبلوماسية ومصطلحات براقة تُخدِّر الشعوب وتنطلي على الحلفاء.

خلاصة القول: يكشف تصاعد الخطاب الصريح في عهد دونالد ترامب عن لحظة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية، حيث تداخلت الأزمات الداخلية مع التحولات العالمية، وأنتجت خطاباً إمبريالياً واضحاً يعبر -بشكل مباشر- عن المصالح التي كانت تُخفى سابقاً: السيطرة على الموارد ونهب الشعوب، واستخدام الأدوات الاقتصادية في الإضرار بالدول والمجتمعات، وإعلاء الربح على التحالفات…الخ.

هذا الوضوح لم يمر دون أثر، فقد دفع الدول والشعوب إلى إعادة تقييم مواقفها من الولايات المتحدة، وفتح المجال أمام بحث أوسع عن بدائل تقلل من كلفة هذه السياسات الإمبريالية. وفي الوقت نفسه، وضع هذا الخطاب حدوداً لقدرة إدارة ترامب على الاستمرار، حيث يؤدي وضوح طبيعتها الإجرامية إلى رفضها ومقاومة الشعوب لها، ووضع الحلفاء والأصدقاء احتياطات للعلاقة معها.