موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
منذ قرار إنشاء كيانها على أراضي آخرين تم إبادتهم بالملايين، يوثّق التاريخ بأن أمريكا دولة تعيش على إشعال الحرائق والحروب والنهب والتحدي وفرض الإرادة، والاستخفاف بالمبادئ والقوانين والمعايير والثوابت الناظمة للعلاقات الدولية. لا تحتكم إلى قيم، ولا تردعها هيئات ومؤسسات قانونية أنشأها المجتمع الدولي لملاحقة ومحاكمة الأنظمة السياسية والعسكرية الفاسدة حول العالم.
وتنعكس خطورة الدولة الأمريكية في ما يتعرض له العالم من تداعيات مغامراتها الطائشة للهيمنة والاستحواذ، كما هو حاصل اليوم إثر حملتها العدوانية على الجمهورية الإسلامية؛ إذ تصر واشنطن على الخروج بالمكاسب التي أغرقت العالم في الفوضى من أجلها. ومع ما يتأكد من ضعف الولايات المتحدة عن تحقيق النصر، وانكشاف فقرها للقدرة على "اللعب النظيف"، ولجوئها إلى خلط الأوراق والمقامرة بالأمن والاستقرار العالمي، تزداد القناعة بخطورة هذه الدولة.
وصفت مئات الدراسات والبحوث -طوال العقود الماضية- الولاياتِ المتحدةَ بـ"الدولة المارقة"؛ فهي الدولة الوحيدة المتمردة والمتفردة في تجاوز الإجماع العالمي وكسر ثوابت القوانين الدولية، وتحويل قواعد التعايش والارتقاء بحياة الإنسان من شعارات إلى وسيلة للابتزاز، ومبررات لشن الحروب، وإنهاك الشعوب.
وبالتأمل، يتضح أن النهج الأمريكي لا تردعه أي قيم، ومخاطره لا تستثني أحداً، بما في ذلك الحلفاء والأصدقاء، وجرائمها تنتشر في اتجاهات الأرض الأربعة؛ تنشر الرعب والإرهاب، وتخيم بهيمتها على قرارات الأنظمة والحكومات، فضلاً عن هذه الديمومة في خلق بؤر التوتر وإجبار العالم على التعايش مع مناخات متشنجة.
يكشف هذا التمادي الأمريكي في الاستخفاف بحياة الشعوب واستقرارها عن حالة السلبية التي يغرق فيها المجتمع الدولي لناحية التعاطي بمسؤولية، ووفق ما يتطلبه ردع المخالفات وإصلاح الانحرافات المؤثرة في الاستقرار العالمي، إذ تكتفي دول المجتمع الدولي بمتابعة هذه الفنون الأمريكية في القتل والتنكيل والتهجير والتجويع والحصار ونشر الفوضى دون أن تحرك ساكناً، أو تسجل موقفاً رافضاً لهذا التوجه المتسم بالطيش والجنون تحاشياً للدخول مع هذا الكيان في أي خلاف.
سياسة الحياد هذه والنأي بالذات التي اتبعتها معظم الدول تجاه بلطجة أمريكا أثبتت عدم جدوائيتها، بل كانت أحد العوامل المحفزة لغريزة الإجرام لدى هذه الدولة الطارئة، والجميع ليسوا إلا مشاريع مؤجلة؛ يأتي حينها عندما تتبلور المصلحة والمكاسب التي يمكن أن تجنيها أمريكا من الدخول في إعادة صياغة هذه الدولة أو تلك، وأحياناً على مستوى مجموعة من الدول كما هو حاصل اليوم في الشرق الأوسط، حيث الرغبة صارت معلنة لنهش أوصال المنطقة لصالح العدو الإسرائيلي.
والأكيد أن السلبية والتراخي الدولي عن رفع مستوى استشعار ما يقتضيه واقع مصالح الأمم والشعوب، والدفاع عن منظومة القيم والمبادئ الإنسانية من مواقف عملية جادة، منحَ -على نحو أكيد- الولاياتِ المتحدة هذا الشعور بالعظمة والقدرة على الهيمنة وفرض الإرادة وممارسة الفوضى وصناعة التوتر بشكل مستمر.
الباحث في ظروف وخلفيات البلطجة الأمريكية قد لا يكون بحاجة لأن يعود عقوداً إلى الوراء، ويكفيه التأمل في معطيات التاريخ الذي يعيشه ليرى بصمات الشر الأمريكي تنتشر على كل خارطة التوتر، وكيف أنها قد بلغت حداً أصبحت فيه تمثل خطراً فعلياً على البشرية، وأن استمرار منحها حق السيطرة على النظام العالمي سيقود إلى معاناة مستدامة لهذه البشرية.
في العام 2018، انسحبت أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران (JCPOA)، وفي العام التالي انسحبت من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (INF). واتَّهم الرئيسُ البوليفي الولايات المتحدة بكونها باتت تشكل تهديداً للعالم بسبب الانسحاب من معاهدة التخلص من الصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة المدى، وقال إنها عدو للسلام وحقوق الإنسان. وفي استطلاع أُجري في مارس الماضي في بولندا وإسبانيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، رأى 12% فقط من المشاركين أن أمريكا حليف وثيق، بينما اعتبرها 36% تهديداً أكيداً؛ وأوضح المشاركون في الاستطلاع تفوّقَ التهديد من واشنطن على التهديد من بكين، كاشفين بذلك تزايد حدة المواقف تجاه الولايات المتحدة.
كما يعكس شكل علاقة واشنطن اليوم مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) مستوى التراجع في الثقة بأمريكا، خصوصاً مع تعالي استنكار التحرك الأحادي الذي تفرض أمريكا على باقي الشركاء تحملَ تبعاته؛ ويتجسد ذلك بشكل واضح وقوي في العدوان على إيران الذي وصل إلى خلق مشكلة هرمز بانعكاساتها الكارثية على اقتصاد العالم.
وتزيد الغطرسة في تأكيد غوغائية هذه الدولة عندما يتعلق الأمر بمصالحها دون اعتبار لمصالح الآخرين؛ إذ هدد ترامب -صراحةً- بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وهدد باستخدام القوة العسكرية للسيطرة على قناة بنما التي تربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ، ومارس الضغط الاقتصادي على كندا لضمها وجعلها الولاية الواحدة والخمسين في الولايات المتحدة. وجميعها توجهات تكشف جانباً خطيراً من رؤية أمريكا للسياسة الخارجية، وتُقدم الصورة الحقيقية لها كدولة متنمرة حتى مع الحلفاء التاريخيين.
ويرى مراقبون بأن أمريكا تتجه نحو الإمبريالية الخشنة، وتهدف لتوسيع مساحة جغرافيتها إلى الضِّعف بالاستيلاء على كندا وجزيرة غرينلاند، وإحكام السيطرة على "جميع" الممرات البحرية والقطبية المحيطة بها. ويؤكد المراقبون أن إعلاء النزعة العدوانية التي تتبناها الأحزاب اليمينية المتطرفة في أمريكا -ويمثلها ترامب- من شأنها أن "تهز أسس المنظومة الغربية بأكملها، وتدخلها في طور جديد من الانقسام، طور غير مسبوق منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية".
ومع التلويح الأمريكي بفروضات جديدة نظير بقاء الاتفاق الدفاعي مع عدد من الدول، تعالت الأصوات بالذهاب إلى فك الارتباط مع الولايات المتحدة، والاعتماد على الذات في التصنيع العسكري والقدرات الدفاعية كحال كوريا الجنوبية واليابان وفرنسا وألمانيا؛ وقد عكست هذه الأصوات -بوضوحٍ- حالة من انعدام الثقة وعدم اليقين في التحالف مع أمريكا.
يتفق الجميع على أن تحركات واشنطن العسكرية خلال العشر السنوات الماضية كانت تتسم بالتمرد على كل التوافقات الدولية (قوانين أو مبادئ)؛ إلا أن التحرك لمواجهة هذا الاستهتار ظل دائماً متخلفاً عن مواكبة هذه القناعة، حد التماهي في أحيان كثيرة مع التوجهات الشيطانية لأمريكا أو غض النظر عنها.
وتُظهر التحولات منذ ما سمي بأحداث سبتمبر وحروب واشنطن على ما تسميه "الإرهاب" -بوضوح- أن التماهي المنفلت مع رغبات ومخططات العدو الأمريكي العالمي لا يمكن أن يحقق للدول الجبانة أو المنكفئة على ذاتها الأمن والاستقرار وتحقيق ما تنشده من طفرات متقدمة في المجالات المختلفة، فضلاً عن أنها لن تكون يوماً في مأمن من الآثار السلبية لهذا الطيش الأمريكي وما يتسبب به من كوارث على مستوى العالم.
في "حرب رمضان" التي أشعلتها الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإسلامية كان الوهن الذي استحكم على دول العالم -باستثناء القلة- هو سيد المتابعة، وحين بلغت الحماقة بواشنطن المقامرة بمصالح العالم في انتظار أن يحالفها الحظ بانفراجة في مضيق هرمز، أو أي نصر يبعد عنها شبح السقوط المدوي أمام خصومها في المحور المناهض لهيمنتها، تجددت القناعة بما صارت تمثله هذه الدولة المارقة فعلياً من خطر على الأرض وسكانها.
في العدوان على إيران، زاد من فداحة الحماقة لجوء الإرهابي "ترامب" إلى تعقيد الوضع بإعلان حصار على مضيق هرمز، وهو التحرك الذي قدم شاهداً آخر على وضعية الإفلاس والعجز التي صارت عليها القوة العالمية أمريكا؛ مع ذلك عدّه المراقبون حدثاً يزيد من قوة معيار الاختبار لقدرة العالم على الوقوف في مواجهة الخطر الأمريكي الذي صار بلا ضابط ويتهدد الجميع.
ما يحدث اليوم هو مظهر لرد الفعل الأمريكي المتوقع تجاه ما يتهدد مكانتها الدولية؛ فإيران واليمن وباقي محور المقاومة قد مرغوا أنفها في التراب، وأغرقوا هيبتها في البحر الأحمر والخليج. وعندما بدأت الأمور تتجاوز حدود جغرافية المواجهة لتصل بتأثيراتها إلى مختلف الدول، عجزت هذه الدول عن اتخاذ الموقف العملي لحماية مصالحها واستقرارها ورد أي تداعيات سلبية عليها وعلى شعوبها.
أمريكا لا تهدأ، وستبقى تُغرق العالم في دوامة الصراعات وإقلاق الأمن والاستقرار ما استمرت هذه الحالة من الاختلال العالمي الواضح، وبقاء كل أعضاء الأسرة الدولية في وضعية المشاهد، رغم أن المخاطر ستحاصر الجميع.
تنتظر القوى المنافسة، كروسيا والصين، تآكل الشيطان الأمريكي ذاتياً حتى تجد فرصة الانقضاض على ما تبقى منه؛ إلا أن الدولة المارقة ستظل تراهن دائماً على صنع المزيد من بؤر الصراع، إما لإضعاف هؤلاء الخصوم بالسيطرة على مراكز مصالحهم، أو -كما هو حاصل- بتغذية الحالات العدائية البينية لروسيا في أوكرانيا والصين مع تايوان وكوريا الشمالية مع جارتها الجنوبية، أو لإشباع نهمها في رؤية العالم يعيش توترات مستمرة لا تنتهي، وتداعيات ما تصنعه من أزمات حول العالم، وهو الذي يستدعي تحركاً جاداً ولا يرهن مصير أمن المجتمعات للحظ.
المشهدية التي يستهوي الولايات المتحدة جعلها قاتمة تؤكد أن التحوّل وإعادة تموضع القوى العالمية، بما لا يدع لها فرصة الاستمرار في التفرد بصدارة النظام العالمي والعبث بحياة مليارات البشر، بات حاجة يفرضها هذا الاضطراب السلوكي والنزعة العدوانية التي تتصف بهما الشخصية الأمريكية.
وإذا كان ترامب هو من يمثل هذه التجاوزات اليوم، إلا أنها لا ترتبط به فقط، فهو ليس إلا واحداً من إفرازات النظام الأمريكي الاستعلائي الفاسد، وإنما ترتبط بجملة العوامل التي ساعدت على صناعة حالة من الجمود والتبلّد الدولي عند نقطة القطبية الأمريكية. وهي مسألة لم تعد تتوافق مع مسار التقادم الذي يشهده إيقاع السياسة وظهور قوى جديدة وفتية بعقليات منفتحة، وربما هذا ما تدركه أمريكا لتجد في افتعال الأزمات وتكريس الأحادية القطبية من خلال الإرهاب، بالتجرّؤ على مخالفة الآخرين وتجاوز الخطوط الحمراء، الملاذ الذي يُبقيها متصدرة للمشهد السياسي.