موقع أنصار الله . دراسة . إعداد: أنس القاضي 

مدخل:

لم تتوقف التحولات السلبية التي شهدها القطاع الزراعي -قبل العدوان- عند حدود الإنتاج أو التجارة، بل امتدت إلى البنية الداخلية للقطاع نفسه، حيث تغيرت أولويات الاستثمار، وتبدل توزيع الموارد بين المحاصيل، وتراجعت مساهمة بعض الأنشطة التقليدية لصالح أنشطة أعلى ربحية. وأسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل العلاقة بين الزراعة والأمن الغذائي، كما أثرت في مكانة القطاع داخل الاقتصاد الوطني، لتصبح دراسة التحول البنيوي مدخلاً لفهم كثير من الاختلالات التي رافقت الزراعة اليمنية خلال العقود السابقة للعدوان.

تحولات القطاع الزراعي
أولاً: التوسع في زراعة القات

لم يشهد القطاع الزراعي قبل العدوان تحولاً اقتصر على تغير حجم الإنتاج أو مساحات الأراضي المزروعة، بل طرأ تغير أعمق أصاب تركيب المحصولات نفسه؛ فقد انتقلت أجزاء متزايدة من الموارد الزراعية -ولا سيما الأراضي المروية- من إنتاج المحاصيل الغذائية إلى إنتاج القات، وهو تحول غيّر اتجاه الاستثمار الزراعي، وأعاد توزيع الأرض والمياه والعمل ورأس المال داخل القطاع، وأثر بصورة مباشرة في قدرة الزراعة على تحقيق الأمن الغذائي.

بدأت زراعة القات بالتوسع بصورة متسارعة منذ سبعينيات القرن العشرين، ثم ازدادت خلال العقود اللاحقة مع ارتفاع الطلب المحلي واتساع العائد النقدي الذي يحققه هذا المحصول مقارنة بالمحاصيل الغذائية. وتشير البيانات إلى أن مساحة القات ارتفعت من نحو ثمانية آلاف هكتار عام 1970 إلى نحو 109 آلاف هكتار عام 2001، ثم إلى نحو 110 آلاف هكتار عام 2002، قبل أن تصل إلى نحو 154 ألف هكتار عام 2009، أي ما يعادل نحو 22.3% من إجمالي الأراضي الزراعية المروية. ويبين هذا التطور أن القات لم يعد محصولاً محدود الانتشار، بل أصبح أحد أكبر الأنشطة الزراعية من حيث استغلال الموارد الإنتاجية.

ولم يكن التوسع في زراعة القات مجرد زيادة في المساحات المزروعة، بل صاحبه انتقال متزايد للأراضي والمياه ورأس المال من المحاصيل الغذائية إلى المحاصيل النقدية. ففي عدد من المناطق الزراعية التي اشتهرت تاريخياً بإنتاج الحبوب أو البن أو الفواكه، أخذ القات يحل تدريجياً محل هذه المحاصيل، مدفوعاً بفارق الربحية وقصر دورة رأس المال وسهولة التسويق داخل السوق المحلية، وتحولت بذلك قرارات الإنتاج من تلبية الطلب الغذائي إلى تعظيم العائد النقدي للمزارع، وهو اتجاه فرضته ظروف السوق أكثر مما فرضته الاعتبارات الزراعية أو الغذائية.

وكان استهلاك المياه أحد أبرز الآثار الاقتصادية لهذا التحول؛ فقد استحوذت زراعة القات على نحو 30% من إجمالي المياه المستخدمة في الزراعة، رغم أن مساحتها كانت أقل بكثير من مساحة الأراضي المزروعة بالمحاصيل الغذائية؛ كما استأثرت في المناطق المروية بنحو 42% من الأراضي الزراعية، مقابل 35% في المناطق المطرية، وهو ما يعكس تركّزها في أكثر المناطق خصوبة وأكثرها وفرة في المياه، وأدى ذلك إلى توجيه جزء متزايد من الموارد المائية المحدودة نحو محصول لا يسهم بأي صورة في تعزيز الأمن الغذائي أو تقليص فاتورة الاستيراد.

وتوضح الأمثلة الميدانية حجم هذا التحول؛ ففي منطقة السحول بمحافظة إب تقلصت زراعة الذرة الرفيعة التي كانت تشكل المحصول الرئيس، وفي منطقة رداع انحسرت مساحات من العنب والرمان والقمح والشعير، بينما شهدت بعض مناطق محافظة ذمار تراجعاً في زراعة البن والموز لصالح التوسع في القات. وتعكس هذه الحالات تغيراً في تخصيص الموارد داخل القطاع الزراعي، حيث لم تعد المنافسة تدور بين المحاصيل الغذائية، بل بين إنتاج الغذاء وإنتاج محصول يحقق عائداً نقدياً أعلى في الأجل القصير. ولا يمكن تفسير هذا التحول بعوامل الأسعار وحدها، لأن البيئة المؤسسية أسهمت أيضاً في ترسيخه؛ فقد بقيت المحاصيل الغذائية تواجه مخاطر مرتفعة تتمثل في تقلب الإنتاج، وضعف التسويق، وانخفاض الأسعار عند مواسم الحصاد، في حين تمتع القات بسوق محلية مستقرة، وطلب يومي مرتفع، وسيولة نقدية سريعة، الأمر الذي شجع المزارعين على إعادة توجيه استثماراتهم نحوه، وبذلك أصبح التوسع في زراعة القات تعبيراً عن اختلال الحوافز الاقتصادية داخل القطاع الزراعي، بقدر ما كان تعبيراً عن تغير أنماط الاستهلاك أو تفضيلات المنتجين.

ومن منظور الاقتصاد السياسي، أدى هذا التحول إلى إعادة توزيع الموارد داخل الزراعة دون أن يرفع قدرة القطاع على إنتاج الغذاء أو زيادة الصادرات الزراعية؛ فقد ارتفع العائد النقدي لشريحة من المنتجين، في مقابل انخفاض نصيب المحاصيل الغذائية من الأرض والمياه والاستثمار، وهو ما أسهم في اتساع الفجوة الغذائية وزيادة الاعتماد على استيراد السلع الأساسية وربط الأمن الغذائي بدرجة أكبر بالأسواق الخارجية. ومن ثم، فإن دراسة القات لا تتعلق بمحصول زراعي بعينه، وإنما بتحول أصاب البنية الإنتاجية للقطاع الزراعي بأكمله، ومهّد لعدد من الاختلالات التي ستناقش في الفرع التالي عند تناول معوقات التنمية الزراعية.

ثانياً معوقات التنمية الزراعية

لم تكن محدودية الإنتاج الزراعي قبل العدوان نتيجة عامل منفرد، بل حصيلة تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والمؤسسية والتقنية التي قيدت قدرة القطاع على رفع إنتاجيته والاستجابة للنمو المتسارع في الطلب على الغذاء، وقد تراكمت هذه العوامل عبر عقود، فأضعفت عملية التراكم داخل الزراعة، وخفضت معدل الاستثمار فيها، وأبقت إنتاجية الأرض والعمل عند مستويات أقل من إمكاناتها الفعلية.

جاءت محدودية الموارد الطبيعية في مقدمة هذه العوامل. فصغر مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، واستغلال معظمها بالفعل، وضعا حدوداً للتوسع الأفقي، بينما أدى الاعتماد المتزايد على المياه الجوفية إلى ارتفاع تكاليف الري وتزايد الضغوط على المخزون المائي. ومع استمرار استنزاف المياه وتذبذب الأمطار، أصبح رفع إنتاجية الموارد القائمة أكثر أهمية من التوسع في المساحات المزروعة، غير أن هذا التحول لم يحظ بالاستثمارات والسياسات الكفيلة بتحقيقه.

كما أسهم ضعف الاستثمار الزراعي في إبطاء تطور القطاع. فقد بقي الإنفاق الموجه إلى مشاريع الري واستصلاح الأراضي والبحوث الزراعية والإرشاد وإنتاج البذور المحسنة أقل من الاحتياجات الفعلية، في حين اتجه جانب أكبر من الاستثمارات العامة والخاصة نحو القطاعات التجارية والخدمية والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الريعي. وأدى هذا الاختلال في توزيع الاستثمار إلى بقاء جزء كبير من النشاط الزراعي معتمداً على الوسائل التقليدية للإنتاج، وعلى الجهد الفردي للمزارعين، دون أن يواكبه تطور مماثل في رأس المال الزراعي أو في التكنولوجيا المستخدمة. وأثرت محدودية الخدمات الزراعية في كفاءة الإنتاج كذلك. فقد واجه المزارعون صعوبات في الحصول على التمويل الزراعي، والأسمدة، والبذور المحسنة، والمبيدات، والآلات، إلى جانب ضعف خدمات الإرشاد والبحوث التطبيقية التي تنقل نتائج البحث العلمي إلى الحقول الزراعية. كما بقيت الصناعات التي توفر مدخلات الإنتاج الزراعي محدودة، وهو ما زاد اعتماد القطاع على المدخلات المستوردة، ورفع تكاليف الإنتاج، وأضعف قدرته على تحسين الإنتاجية بصورة مستمرة.

وشكلت البنية التسويقية إحدى حلقات الضعف الرئيسة في القطاع الزراعي. فقد افتقرت مناطق واسعة إلى مرافق التخزين والتبريد والتعبئة، وضعفت شبكات النقل والتسويق الزراعي، الأمر الذي رفع الفاقد بعد الحصاد، وخفض نصيب المنتج من القيمة النهائية للسلعة. كما تعرضت أسعار كثير من المحاصيل لتقلبات موسمية حادة، في حين ظل المنتج الزراعي يتحمل الجزء الأكبر من مخاطر السوق، وهو ما حدّ من قدرته على إعادة استثمار فائضه في تطوير الإنتاج.

وأدت هذه العوامل مجتمعةً إلى بقاء إنتاجية الأرض والعمل عند مستويات منخفضة. فقد ظل متوسط إنتاج الهكتار من الحبوب يقارب طناً واحداً، وهو مستوى يقل كثيراً عن المتوسط العالمي، رغم أن كثيراً من الدراسات الرسمية أكدت إمكانية مضاعفة هذا المعدل من خلال تحسين البذور، ورفع كفاءة الري، وتطوير الخدمات الزراعية، دون الحاجة إلى توسع كبير في المساحات المزروعة. ويشير ذلك إلى أن الأزمة الزراعية قبل الحرب لم تكن أزمة نقص في الموارد وحدها، بل كانت أيضاً أزمة إدارة وسياسات إنتاجية واستثمار.

ومن منظور الاقتصاد السياسي، فإن هذه المعوقات لم تؤدِّ فقط إلى إبطاء نمو الإنتاج الزراعي، بل أعادت تشكيل العلاقة بين الزراعة وبقية القطاعات الاقتصادية. فضعف العائد على الاستثمار الزراعي شجع انتقال رؤوس الأموال إلى التجارة والخدمات والأنشطة الريعية، كما دفع جزءاً من القوى العاملة الريفية إلى الهجرة نحو المدن أو إلى أسواق العمل الخارجية. وبهذا لم تعد الزراعة تفقد حصتها من الاستثمار فحسب، بل فقدت أيضاً جانباً من قدرتها على الاحتفاظ بعناصر الإنتاج الضرورية لتطورها، وهو ما انعكس -في النهاية- على موقعها داخل الهيكل الاقتصادي اليمني، وهي القضية التي يتناولها الفرع الأخير من هذا المبحث.

ثالثاً مكانة القطاع الزراعي في البنية الاقتصادية

احتل القطاع الزراعي موقعاً محورياً في الاقتصاد اليمني حتى السنوات السابقة للحرب، لأنه شكل القاعدة الإنتاجية التي ارتبطت بها معيشة معظم السكان، واستوعب أكبر نسبة من القوى العاملة، وربط بين النشاط الاقتصادي في الريف والأسواق المحلية. ولهذا فإن تقييم مكانة الزراعة لا يقتصر على قياس وزنها في الحسابات القومية، بل يمتد إلى قدرتها على إنتاج الغذاء، وتوفير فرص العمل، وتنشيط الطلب المحلي، ودعم القطاعات الاقتصادية الأخرى.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي تراوحت بين 12% و23% خلال الفترة الممتدة من نهاية تسعينيات القرن العشرين حتى السنوات السابقة للحرب، بينما استوعب ما بين 45% و53% من إجمالي القوى العاملة، وارتبطت به معيشة نحو 74% من سكان الريف. ويكشف هذا التفاوت بين مساهمة القطاع في الناتج ومساهمته في التشغيل عن سمة أساسية في البنية الاقتصادية اليمنية، تتمثل في انخفاض إنتاجية العمل الزراعي مقارنة بغيره من القطاعات، حيث استوعبت الزراعة أكبر كتلة من العمالة، في مقابل مساهمة أقل في تكوين الناتج المحلي.

ويعكس هذا الوضع طبيعة الاقتصاد اليمني قبل الحرب أكثر مما يعكس أوضاع القطاع الزراعي وحده. فالاقتصادات التي تستوعب نسبة كبيرة من العمالة في الزراعة مع مساهمة محدودة لهذا القطاع في الناتج المحلي تكون غالباً في مرحلة يغلب عليها انخفاض إنتاجية العمل، وضعف تراكم رأس المال، ومحدودية استخدام التكنولوجيا. ولذلك فإن الوزن الكبير للزراعة في التشغيل لم يكن مؤشراً على قوة القطاع بقدر ما كان يعبر عن بطء انتقال الاقتصاد إلى قطاعات إنتاجية أكثر قدرة على رفع إنتاجية العمل والقيمة المضافة. وفي الوقت نفسه احتفظ القطاع الزراعي بدور لا تستطيع المؤشرات النقدية قياسه بصورة كاملة. فقد وفر الغذاء الأساسي لشريحة واسعة من السكان، وشكل مصدر الدخل الرئيس في معظم المناطق الريفية، وخلق طلباً على خدمات النقل والتجارة والصناعات الغذائية، كما أسهم في الحد من الهجرة الداخلية عبر إبقاء جزء كبير من السكان داخل النشاط الزراعي. ومن ثم، فإن تراجع أداء القطاع لم ينعكس على الإنتاج الزراعي وحده، بل امتدت آثاره إلى مستويات التشغيل، والدخل الريفي، والأسواق المحلية، والأمن الغذائي، والميزان التجاري.

غير أن هذا الدور أخذ يتراجع تدريجياً مع تغير أولويات الاقتصاد الوطني خلال العقود السابقة للحرب. فقد أدى الاعتماد المتزايد على عائدات النفط إلى تراجع الوزن النسبي للقطاعات الإنتاجية في تكوين الدخل العام، بينما استمرت الزراعة تواجه انخفاض الاستثمار، وتراجع إنتاجية الأرض والعمل، واتساع المنافسة مع الواردات الغذائية، وتحول جزء من مواردها نحو زراعة القات، ونتيجة لذلك، أصبح القطاع الزراعي أقل قدرة على قيادة النمو الاقتصادي، رغم احتفاظه بثقله الاجتماعي واتساع قاعدة العاملين فيه.

ومن منظور الاقتصاد السياسي، فإن هذه المفارقة تمثل إحدى السمات الرئيسة للبنية الاقتصادية اليمنية قبل الحرب. فالقطاع الذي استوعب أكبر نسبة من قوة العمل لم يحصل على نصيب مماثل من الاستثمار العام أو الخاص، ولم يتحول إلى قاعدة لتراكم رأس المال أو للتصنيع الزراعي، بل اتجه الاقتصاد تدريجياً نحو الاعتماد على الموارد الريعية والواردات الغذائية، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين أهمية الزراعة للمجتمع ومكانتها داخل عملية التراكم الاقتصادي.

وهكذا دخل الاقتصاد اليمني عام 2014م بقطاع زراعي محدود من حيث إنتاجيته وقدرته على تحقيق الأمن الغذائي وقيادة النمو الاقتصادي، رغم أنه واسع من حيث عدد العاملين وانتشاره الجغرافي. وتعد هذه النتيجة مدخلاً لفهم التحول اللاحق في بنية الاقتصاد اليمني، حيث تراجع الوزن النسبي للقطاعات الإنتاجية أمام صعود الاقتصاد الريعي، وهي القضية التي سيتناولها المبحثان التاليان عند دراسة الصناعة ثم اقتصاد النفط والخدمات.

 خاتمة:

تكشف التحولات التي شهدها القطاع الزراعي قبل الحرب عن مسار اقتصادي أعاد توزيع الموارد بين المحاصيل، وأضعف الاستثمار في الأنشطة الإنتاجية، ووسع الفجوة بين الإنتاج المحلي واحتياجات السوق، وربط جانباً متزايداً من الأمن الغذائي بالواردات والأسواق الخارجية. وأعادت هذه التحولات صياغة مكانة الزراعة داخل الاقتصاد اليمني، فاحتفظت بثقلها الاجتماعي واتساع قاعدة العاملين فيها، مقابل تراجع قدرتها على قيادة التراكم الاقتصادي وتعزيز الاكتفاء الغذائي.

ودخل القطاع الزراعي عام 2015 وهو يحمل هذه الاختلالات البنيوية، قبل أن تنتقل الأزمة إلى مرحلة جديدة مع اندلاع الحرب والحصار، حيث تعرضت القاعدة الإنتاجية الزراعية لاستهداف مباشر، وأصابت الأضرار الموارد والمنشآت والأسواق وسلاسل الإنتاج. وفي المقابل، أعادت سنوات الحرب الاعتبار للإنتاج الزراعي بوصفه أحد مرتكزات الأمن الغذائي، ودفعت إلى تنامي الاهتمام بالاكتفاء الذاتي وإحياء عدد من الأنشطة الإنتاجية، لتبدأ مرحلة مختلفة في تاريخ الزراعة اليمنية، تقوم على مواجهة آثار التدمير، واستعادة القدرة الإنتاجية، وإعادة بناء القطاع الزراعي ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء الاقتصاد الوطني.